الجمعة، 20 نوفمبر 2020

2- بداية جواسيس العدو في بلاد المسلمين


في غزوة تبوك تخلف ثلاثة من سادتنا الصحابة رضي الله عنهم وهم :

مُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ العَمْرِيُّ، مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَهِلَالُ بْنُ (أَبِي) أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيَّ , و كَعْبَ ابْن مَالِكٍ .

وقصتهم مشهورة ونزلت توبتهم في سورة التوبة .

وصاحب هذة القصة هو سيدنا كعب ابن مالك رضي الله عنه , يقول :

بَيْنَا أَنَا أَمْشِي بِالسُّوقِ، إذَا نَبَطِيٌّ يَسْأَلُ عَنِّي مِنْ نَبَطِ الشَّامِ، مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ.

يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَيَّ كَعْبَ ابْن مَالِكٍ؟

قَالَ: فَجَعَلَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إلَيَّ، حَتَّى جَاءَنِي، فَدَفَعَ إلَيَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ، وَكَتَبَ كِتَابًا فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ، فَإِذَا فِيهِ:

«أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ وَلَا مَضْيَعَةٍ، فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ» .

قَالَ: قُلْتُ حِينَ قَرَأْتهَا: وَهَذَا مِنْ الْبَلَاءِ أَيْضًا، قَدْ بَلَغَ بِي مَا وَقَعْتُ فِيهِ أَنْ طَمِعَ فِيَّ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ.

قَالَ: فَعَمَدْتُ بِهَا إلَى تَنُّورٍ، فَسَجَرْتُهُ بِهَا.

( السيرة النبوية لابن هشام )



هذا مكر عدونا في الماضي فما بالكم في عصرنا !!

العجيب كيف عرف بأمر سيدنا كعب وصاحبية رضي الله عنهم.

وكيف أرسل الجواسيس!

ولاشك أن عدونا تطور في عصرنا.

ولكن إذا كان هناك رجال كسيدنا كعب رضي الله عنه فلا نخشى مكر عدونا , ولكن من يقرأ تاريخنا يرى أن هناك من خدع ومن أغراه العدو بالمال والجاه وخان أمته .

1- شاس بن قيس اليهودي وإشعال الفتنة بين الأوس والخزرج


كان شأس بن قيس شيخا قد عسا (1) ، عظيم الكفر، شديد الضغن (2) على المسلمين، شديد الحسد لهم، فمر على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من ألفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية.

فلما أن جاء الإسلام اصطلحوا وألف الله بين قلوبهم.

فقال: " لقد اجتمع ملأ بني قيلة (3) بهذه البلاد، لا والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار ".

فأمر فتى شابا من يهود كان معه فقال: " اعمد إليهم فاجلس معهم، ثم اذكر يوم بعاث وما كان قبله وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار.

ففعل، فأنشدهم بعض ما قاله أحد الحيين في حربهم، فكأنهم دخلهم من ذلك (شئ) فقال الحي الآخرون: وقد قال شاعرنا في يوم كذا: كذا وكذا (فقال الآخرون: وقد قال شاعرنا في يوم كذا: كذا وكذا، فتكلم القوم عند ذلك، وتنازعوا وتفاخروا، حتى تواثب رجلان من الحيين: أوس بن قيظي (أحد بني حارثة بن الحارث) من الأوس، وجبار بن صخر (أحد بني سلمة) من الخزرج، فتفاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه: " إن شئتم رددناها الآن جذعة (4) ".

فغضب الفريقان جميعا، وقالوا: " قد فعلنا، موعدكم الظاهرة - والظاهرة الحرة (5) - السلاح السلاح ".

فخرجوا إليها.

(فانضمت الأوس والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في

الجاهلية).

فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم فقال: (( يا معشر المسملين: الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألف به بينكم، فترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا )) .

فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوهم فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا، وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيد عدوهم: عدو الله شاس بن قيس، فأنزل الله تعالى: { قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون () قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء وما الله بغافل عما تعملون } (آل عمران 98، 99).

وأنزل الله في أوس بن قيظي، وجبار بن صخر، ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا ما أدخل عليهم شأس من أمر الجاهلية: { يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين () وكيف تكفرون وأنتم تتلى على عليكم آيات الله وفيكم رسوله، ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم } (آل عمران 100، 101). (6)






اليهود أعدائنا إلى يوم الدين والمكر صفة من صفاتهم, كان هذا اليهودي اللعين شاس أن يشعل الفتنة بين سادتنا الأنصار رضي الله عنهم وذكرهم في حرب كانت بينهم في الجاهلية ( أي بين الأوس والخزرج قبل أن يجمعهم الإسلام بإسم الأنصار ) ولكن الرسول صلى الله علية وسلم تدارك الموقف .

ونحن في عصرنا لابد أن نستفيد من هذة القصة ونحذر من أحفاد شاس الذي يشعلون الفتن بذكر مآسي الماضي, وكذلك لنا في قدوتنا وحبيبنا أبا القاسم صلى الله علية وسلم قدوة في الإصلاح بين الناس وعدم ترك امثال شاس أن يشعل الفتن .

وكم في عصرنا من امثال هذا اللعين ساش في إذكاء الفتن بين الدول الإسلامية وبين القبائل والشعوب الإسلامية, خاص في عصرنا الحديث في إشعال فتنة القومية البغيضة والتي فرقت شمل المسلمين لعقود طويلة مع الأسف .


_____________________




(1) أي كبر وأسن.

(2) الحقد.

(3) أم الأوس والخزرج.

(4) أي أحدثنا الحرب.

(5) وهي الأرض ذات الحجارة السود.

(6) سبل الهدى والرشاد، في سيرة خير العباد، وذكر فضائله وأعلام نبوته وأفعاله وأحواله في المبدأ والمعاد .
للإمام محمد بن يوسف الصالحي الشامي رحمة الله تعالى .

عدونا بين اليوم والأمس (مقدمة)

 



بسم الله والحمد لله كالذي نقول وخيرا" مما نقول والصلاة والسلام على المربي القدوة المبعوث رحمه للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين :-


كنت قد قرأت سلسلة قيمة للأستاذ الدكتور شوقي أبوخليل رحمه الله تعالى بعنوان :
"المعارك الكبرى في تاريخ الإسلام" 20 كتاب وعند قرائتي لمقدمة (نهاوند فتح الفتوح) ذكر عن مكر
، عدونا في الماضي وأن الأجداد كان متيقظين بعكس أحفادهم خاصة في القرون المتأخرة، وعندها جمعت بعض قصص مكرعدونا وكيف كانوا يخططون ويمكرون بأسلافنا، وأقصد بهذا الجمع أن نكون يقظين من مكر أحفادهم بدراسة مكر أجدادهم.

أرجو من ربنا المعين العليم أن يوفقني في كشف مكر عدونا في عصرنا بدراسة مكر أجداهم لأجدادنا .

وهنا مقدمة كتاب (نهاوند فتح الفتوح) :















هل يعيد التاريخ نفسه؟! «ما أشبه الليلة بالبارحة!»

 

هل يعيد التاريخ نفسه؟!
«ما أشبه الليلة بالبارحة!»

رأفت صلاح


التاريخ ليس سرداً للأحداث ولا تسجيلاً للوقائع، ولكنه عرض لذلك كله مع التفسير والتحليل، واستخراج للعبر والدروس من هذه الأحداث، هكذا ينبغي علينا أن نفهم التاريخ كما فهمه أسلافنا؛ فملكوا الدنيا وخضعت لهم العرب والعجم.

يُعرّف ابن خلـدون التاريخ فيقول: «.. فإن التاريخ من الفنون التي تتداولها الأمم والأجيال، وتشد إليها الركائب والرحال. وهو في ظاهره لا يزيد عن أخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأولى، وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق؛ فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق»(1).

بين أيدينا الآن قصة وقعت أحداثها في بدايات القرن العاشر من الهجرة؛ ولها صلة وثيقة بما يحدث من أحداث في واقعنا المعاصر، هذه القصة ذكرها الأستاذ «محمود شاكر» صاحب «موسوعة التاريخ الإسلامي» في كتابه «المغالطات»، طبعة المكتب الإسلامي، وسوف نقف معها ونذكرها مثالاً لأحداث التاريخ الإسلامي، وكيف تُستخرج منها الدروس والعبر؟

يقول الأستاذ محمود شاكر - باختصار -:
«عندما احتل البرتغاليون (عدن) عام 919 هـ رفض أهل هذا البلد الاحتلال، وقاوموه بما يملكون، ولكن استطاع البرتغاليون أن يقهروا السكان بما يحوزون من أسلحة نارية حديثة، واضطر القسم الأكبر من العدنيين إلى ترك موطنهم واللجوء إلى الأراضي المجاورة؛ حيث عُرفوا هناك باسم «اللاجئون»، وأُجبر القسم الأكبر من العدنيين على الخنوع والبقاء في ديارهم تحت عصا الذل وسيف الإرهاب، وحرصت الدول المجاورة، كمصر التي يحكمها المماليك، أن تقاتل البرتغاليين ولكنها هُزمت.

- نجحت البرتغال في أن تمد قنوات بينها وبين حكام الدول المجاورة عن طريق المال والمصالح والسلاح، وكان التعاون بينهم في سرية بعيداً عن أعين السكان؛ حيث كانت الشعوب ترفض هذا التعاون رفضاً تاماً، فأظهر الحكام أنهم يعادون البرتغال وهم يلتقونهم سراً ويجتمعون معهم.

- البرتغاليون أنفسهم - من باب المغالطة - يهاجمون هذه الدول علناً؛ حتى يلبسوا على الناس أمرها.

- لم يجرؤ أحد على الدعوة إلى الرضا بالأمر الواقع أو الدعوة إلى السلام.

- كان المخطط الصليبي يقضي بأن يتقدم كل حاكم خطوة، ولكن طالت المدة وزادت على خمسة عشر عاماً.

- فهنا برزت فكرة جديدة؛ وهي أن يتولى حل المشكلة أحد أبناء عدن، ولا سيما من الذين يعيشون خارج مدينة عدن؛ ليكون بعيداً عن البرتغاليين، ولتكون له الحريـة، فـوقـع الاختيار على شـاب لم يتجـاوز الثلاثـيـن من عـمـره يُدعـى «عبد الرؤوف أفندي»، فعرض عليه أحد السلاطين العملاء أن يختار معه شباباً يثق بهم؛ ليقوموا بتأسيس منظمة تعمل على طرد البرتغاليين المغتصبين، وتقوم السلطات بدعم هذه المنظمة ومدّها بما تحتاج إليه.

وتعهد السلاطين بحمايتها ومد يد العون لها، ودعوة أعوانهم للانضمام إليها؛ (فتبني أهل البلد مهمة العمل أفضل، وخاصة أمام المحافل الدولية)، ومُنح «عبد الرؤوف» وعد بأنه سيكون له شأن كبير وإمكانات مادية عالية، هذا بجانب السلطة العسكرية وإصدار الأوامر.

- وافق «عبد الرؤوف»، وحَلَّتْ منظمته محل حركة مفتي عدن، واشترطوا عليه ألا يخرج عن رأي السلاطين.. وهكذا كان.

- بدأ «عبد الرؤوف» اللعبة وأصبح اسمه «ياسين»، وادعى النسب الحسيني، وأسس منظمته، وأنشأ فصائل للقتال، وانخرط في صفوفها كثير من العدنيين المشردين، وبدأت تخوض المعارك، وتدخل إلى الأرض المحتلة وتقوم ببعض العمليات الناجحة، فارتفعت أسهمه، وأصبح في مصاف القادة ورواد الأمل في العودة لدى المشردين.

- نادى «ياسين» بحمل السلاح بوصفه الحل الوحيد لإنهاء المشكلة، واللغة الوحيدة التي يفهمها العدو، وصار لا يقبل المهادنة ولا المساومة، وبالمقابل شن عليه الأعداء حملة شعواء واتهموه ومنظمته بالتخريب و...، وتدفقت عليه أموال التبرعات والمعونات، وأصبح على مستوى السلاطين.

- شن البرتغاليون غارات على مخيمات اللاجئين، وقاموا بعدد من المذابح الرهيبة؛ وذلك لتبدأ مرحلة جديدة من الصراع.

- ضغطت الدول الأوروبية على السلاطين لإنهاء المشكلة، فعقدوا اجتماعاً وقرروا الاعتراف بالوضع البرتغالي في عدن؛ على أن يتولى إعلان ذلك الزعيم العدني «ياسين».

- وانتفض العدنيون المقيمون في موطنهم؛ مما دعا الأوروبيين إلى عقد مؤتمر عالمي لإحلال السلام في المنطقة وإنهاء المشكلة.

- أنيطت القضية بالزعيم «ياسين» الذي أعلن أنه مستعد لحضور المؤتمر العالمي، وأنه يتحدى البرتغال أن تحضر! - وهي التي تتمناه -، فتمنعت تمنع الراغب لإتمام اللعبة وإخفائها عن الشعب، وتقوية موقف «ياسين» وإبرازه على أنه هو الذي يدعو وهي التي ترفض؛ أي أن الممتنع هو الموافق، والراضي هو الرافض!

- أعلن أحد السلاطين أنه تخلى عن عدن، وأن أهلها أحرار يحلون أمورهم بأنفسهم! - وهو الذي كان يعدُّ عدن جزءاً من أرضه -، فأصبحت عدن وحدها أمام البرتغاليين.

- أعلن «ياسين» أن لأهل عدن حكومة خاصة، وأنه على استعداد للاعتراف بالكيان البرتغالي، وبذلك أصبحت هناك حكومتان؛ إحداهما لأهل عدن المشردين، والأخرى للبرتغاليين ولهم الجزء الأكبر من عدن!!

- استمر هذا الوضع حتى جاء العثمانيون عام 945 هـ وطردوا البرتغاليين من المنطقة.

- وقف أهل عدن يفكرون بالدور الذي مارسه «ياسين» عليهم؛ منهم من قال بقي «ياسين» يغالط علينا حتى وصل بنا إلى ما كنا نخشاه، ووافق على كل هذه الحلول التي كنا نرفضها، أعطيناه القيادة ليبيع قضيتنا، ليبيع أرضنا، ليبيعنا. بعدها بدؤوا يبحثون عن أصله ولكن.. فات الأوان.

- أما أعوانه فيقولون: إن الطرق كلها مسدودة، والحلول التي طُرحت قد أجهضت أو أخفقت، وليس أمامنا سوى ما تم.

ما أشبه الليلة بالبارحة!!»(2).

بعد عرض أحداث هذه القصة نورد هذه التعليقات المهمة:

1- تشبه هذه القصة بأحداثها ما يحدث في واقعنا المعاصر؛ مما يدل على تشابه مخططات أعداء الإسلام عبر التاريخ في محاربة هذه الأمة، وصناعة العملاء الذين يكون لهم الدور الأهم في هذا العداء.

كما تبين القصة استمرارية هذا الصراع، وأنه لا يهدأ أبداً وإن اختلفت صوره؛ فإنهم كما قال - تعالى -: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217].

2- بيان حال المسلمين عند بعدهم عن دينهم الذي هو مصدر عزتهم؛ إذ يصيبهم الضعف والوهن، ويتمكن أعداؤهم منهم؛ مما يؤدي إلى تشتتهم في البلاد لاجئين، أو وقوعهم تحت عصا الذل وسيف الإرهاب في بلادهم على يد أعدائهم، هذا كله بسبب تنكبهم لطريق الهداية في كل زمان.

3- بيان حال حكام المسلمين الذين هم إما صنيعة الأعداء أو عملاء مخلصون لأسيادهم؛ بسبب عبوديتهم للمال والسلطة والمصلحة، فهم لا يهمهم مصلحة أوطانهم، ولا حماية ديار المسلمين، ولا الذود عن الإسلام؛ المهم عندهم هو كراسيهم وعروشهم حتى لو تعاونوا مع أعدائهم. وهذه صورة لما يحدث في كل زمان على يد بعض هؤلاء الحكام العملاء.

4- مدى السذاجة التي تتصف بها بعض الشعوب المسلمة؛ سواء مع حكامهم أو مع أعدائهم؛ حيث يكونون مغيبين لا وعي عندهم ولا دور لهم في الأحداث، هذا سببه في المقام الأول هو البعد عن مصدر العزة الأساسي ألا وهو الإسلام، فالمسلمون عند تمسكهم بدينهم يكون لديهم استعداد للجهر بالحق، ولا يكون للكافرين عليهم سبيلاً، أما عند بعدهم عن دينهم فهم أذل الخلق وأهونهم؛ لا يهمهم إلا إتيان الشهوات، يتلاعب بهم أعداؤهم وهم لا وعي عندهم بما يجري من أحداث.

5- لا يستطيع الزعماء والحكام والسلاطين العملاء أن يتحكموا في رقاب الناس إلا بخداعهم وغشهم، وتغييب وعي الناس عن طريق وسائل إعلامهم في كل عصر، فمن مَدْحٍ للزعيم وتضخيم لدوره، إلى شتم للأعداء أحياناً، إلى دعوة للسلام.. هذا كله لتغييب الشعوب وخداعها.

6- صناعة الزعماء: وهذا أهم هذه التعليقات، فهذه القصة توضح بجلاء كيفية صناعة الزعماء، وهذا ديدن أعداء الإسلام في كل زمان، فهم يختارون شخصية نفعية لا تحب إلا مصلحتها وتعشق السلطة والمال، ثم يحاولون صناعته عن طريق إبراز دوره وتضخيم أعماله، فيحدث التلميع لهذه الشخصيات حتى تصير زعماء، وهذا هو الدور الخطير الذي تمارسه وسائل الإعلام، وهكذا تم صناعة ياسين وغيره قديماً.

وحديثاً: عندما رحل الاحتلال عن بلاد المسلمين ترك خلفه صنائع هي من صنع يديه، وحتى يُمَكِّن لها قام بتلميعها وتضخيم دورها حتى تكون هي الزعامة.. وفقط، فهذا «الزعيم الملهم»، وذلك «القائد»، وذلك «الغازي»، وذلك «الرئيس المؤمن».. هكذا صنعوا أتاتورك، وسعد زغلول، وجمال عبد الناصر، وياسر عرفات.. وغيرهم ممن تحكموا ويتحكمون في رقاب المسلمين، هكذا استطاع أعداء الإسلام إنتاج صنائع لهم وعملاء ووكلاء يؤدون ما يُطلب منهم؛ في جميع المجالات وليس في السياسة فقط. وهذه القصة صورة مصغرة لطريقة تكوين الزعماء والأبطال والفاتحين المزورين؛ فكم من مرة حولوا الجهاد لصالحهم، وسرقوا الثورات والانتصارات؟! وكم من مرة تاجروا بقضايا المسلمين؟!

إن ما يحدث الآن في القضية الفلسطينية والدور الذي يقوم به الآن «ياسر» هو الدور نفسه الذي كان يقوم به «ياسين»، فكم من «ياسين» صنعوه، وكم من نصر سرقوه؟!

حقاً.. ما أشبه الليلة بالبارحة!

----------------------------
(1) عن كتاب: أيعيد التاريخ نفسه؟! محمد العبدة، المنتدى الإسلامي، الغلاف.
(2) المغالطات، باختصار، ص 79 - 86.


الخميس، 12 نوفمبر 2020

الوزير العدل علي بن عيسى


علي بن عيسى بن داود بن الجراح البغدادي الكاتب الوزير العدل، وزر مرات للمقتدر، ثم للقاهر، وكان دينا خيرا عالما محدثا عالي الإسناد.
روى عن أحمد بن بديل، والحسن الزعفراني، وطائفة.
وروى عنه جماعة آخرهم ابنه عيسى في «أماليه».
قيل: كان في الوزراء كعمر بن عبد العزيز في الخلفاء.

قال القاضي أحمد بن كامل: سمعت الوزير علي بن عيسى يقول: كسبت سبع مائة ألف دينار، أخرجت منها في وجوه البر ست مائة ألف وثمانين ألف دينار.

يحكى: أن بعض المضطرين من أهل الخير المعولين رأى النبي صلّى الله عليه وسلم في وقت ضرورة وهو يقول: إذا أصبحت .. فاذهب إلى الوزير علي بن عيسى وقل له:
بأمارة ما صلّى عند قبري كذا وكذا مرة .. يدفع إليك كذا وكذا، وعين شيئا كثيرا من الصلاة عليه ومن المال، فلما أصبح الرجل .. ذهب إلى الوزير ومعه المقرئ أبو بكر بن مجاهد المشهور.
فقال الوزير لابن مجاهد: ما حاجتك يا أبا بكر؟ 
قال: يدني الوزير هذا الشيخ ويسمع كلامه، فسأل ذلك الشيخ عن قصته، فأعلمه بضرورته وما قال له النبي صلّى الله عليه وسلم، فذرفت عينا الوزير وقال: صدق رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وصدقت أيها الشيخ، هذا شيء لم يكن اطلع عليه إلا الله عزّ وجل ورسوله، ثم استدعى بالكيس، فعدّ له ألفا وقال: هذا ما أمر به رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ثم عد له ألفا أخرى وقال: هذا شكر ما ذكرت عن النبي صلّى الله عليه وسلم.
قال الشيخ اليافعي: (وأشك في ألف ثالث دفعه إليه بشارة).

ركب علي بن عيسى الوزير يوما في موكبه، فصار الغرباء يقولون: 
من هذا، من هذا؟ ! فقالت امرأة: إلى كم تقولون: من هذا، من هذا؟ ! هذا عبد سقط من عين الله، فابتلاه الله بما ترون، فسمعها علي بن عيسى، فرجع إلى منزله، فاستعفى من الوزارة، وذهب إلى مكة وجاور بها، وتوفي سنة أربع وثلاثين وثلاث مائة.

_______________

أبو محمد بامخرمة (المتوفى: 947 هـ): 
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر 2 / 93 - 94 - دار المنهاج - الطبعة: الأولى، 1428 هـ - 2008 م.

السبت، 10 أكتوبر 2020

عُلُوّ هِمَّةَ أبيِ ذرٍّ رَضِيَ الله عَنْهُ فِي البَحْثِ عَن الحَقِّ


عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:

لما بلغَ أبا ذر مبعثُ النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة، قال لأخيه - أنَيس-: اركب إلى هذا الوادي، فَاعْلَم لي عِلمَ هذا الرجل، الذي يَزعُمُ أنه يأتيه الخبرُ من السماء، فاسْمَعْ مِن قولِه ثم ائتني.

فانطلق -أُنيَس- حتى قدم مكة، وسَمِعَ من قولِه، ثم رجع إلى أبي ذر، فقال: "رأيتُه يأمر بمكارم الأخلاق، و -سمعتُه يقول- كلامًا ما هو بالشعر"، فقال أبو ذر: "ما شَفيتَني فيما أردتُ! ".

فتزوَّدَ -أبو ذر- وحمَل شَنّةً (¬1) له فيها ماء، حتى قدم مكة، فأتى المسجد، فالتمس النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يعرفه، وكره أن يَسأل عنه، حتى أدركه الليلُ فاضطجع، فرآه عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه فعرف أنه غريب، ودعاه إلى منزله -فتَبِعَه، فلم يَسأل واحد منهما صاحبَه عن شيء حتى أصبح.

ثم احتَمَل قِرْبَتَه وزاده إلى المسجد، وظَلَّ ذلك اليوم ولا يَرَى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه، فمَرَّ به علي فقال: "ما آنَ للرجل أن يَعلمَ منزلَه؟ "، فأقامه فذهب به معه، ولا يَسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، حتى إذا كان يومُ الثالث فعَلَ مثل ذلك، فأقامه عليٌّ معه، ثم قال له: "ألا تُحدثني ما الذي أقدمك؟ "، قال: "إنْ أعطيتني عهدًا وميثاقًا لترشِدَنِّي فعلتُ"، ففعل، فأخبره، فقال: "فإنه حق، وهو رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، فإذا أصبحتَ فاتّبِعني، فإن رأيتُ شيئًا أخاف عليكَ قمتُ كأني أريق الماء، فإن مضيتُ فاتبَّعِني حتى تَدخُلَ مَدْخَلي"، ففعل، فانطلق يقفوه حتى دخل على النبي - صلى الله عليه وسلم - ودخل معه، فسمع من قولهِ وأسلم مكانه، الحديث (¬2).

* وهناك رواية أخرى في حادثةِ إسلام أبي ذر، رواها عنه ابنُ أخيه عبد الله بن الصامت الغفاري، وقد رواها مسلم أيضًا من طريق عبد الله بن الصامت الغفاري ابن أخي أبي ذر، وملخَّصُها: قال: قال أبو ذر: خرجنا من قومنا غِفار، وكانوا يُحِلون الشهر الحرام، فخرجتُ أنا وأخي أنَيْس وٍ أمُّنا، فانطلقنا حتى نزلنا بحضرةِ مكة.

فقال أنَيس: إنَّ لي حاجة بمكة فاكفِني، فانطلق أنيَس حتى أتى مكة فراثَ عليَّ -أي أبطأ-، ثم جاء، فقلتُ: "ما صنعتَ؟ "، قال: "لقيتُ رجلًا بمكة يزعم أنَّ الله أرسله"، قلت: "فما يقولُ الناسُ؟ "، قال: "يقولون: شاعر كاهن ساحر"، -وكان أنيَس أحَدَ الشعراء- قال أنَيس: "لقد سمعتُ قولَ الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وَضَعْتُ قوله على أقراءِ الشعر -أي طرقِه- فما يلتئم على لسان أحد أنه شعر، والله إنه لصادق، وإنهم لكاذبون".

قال أبو ذر: "قلت: فأكفِني حتى أذهب فأنظر"، قال: فأتيت مكة، فتضَعّفْتُ رجلاً منهم" -يعني نظرتُ إلى أضعفهم فسألته، لأن الضعيف يكون مأمون الغائلة غالبًا -فقلتُ له: "أين هذا الذي تدعونه الصابئ؟ " فأشار إليَّ، فقال: "الصابئ! "، فمالَ عليَّ أهلُ الوادي بكل مَدَرة وعَظْم، حتى خررتُ مغشيًّا علي، فارتفعتُ حين ارتفعتُ كأني نُصُبٌ أحمر -يعني من كثرة الدماء التي سالت منه، صار كالنُّصُب وهو الحَجَرُ الذي كان أهلُ الجاهلية ينصبونه ويذبحون عنده فيَحمَرُّ بالدم .... قال: فأتيتُ زمزم فغَسلتُ عني الدماء، وشَربتُ من مائها، ولقد لبَثتُ يا ابن أخي ثلاثين بين ليلة ويوم، ما كان لي طعام إلا ماءُ زمزم، فسَمِنتُ حتى تكسّرَت عُكَنُ بطني، وما وجدتُ كل كبدى سُخْفَةَ جُوع -يعني أثَرَ الجوع وضَعْفَه-.

قال: فبينا أهلُ مكة في ليلةٍ قمراء إذ ضُرِب على أسمختهم -أي آذانهم بالنوم - فما يطوف بالبيت أحد، وجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر، حتى استَلَم الحَجَر، وطاف بالبيت هو وصاحبُه، ثم صلّى، فلما قضَى صلاته قلتُ: "السلامُ عليك يا رسول الله"، فقال: "وعليك ورحمة الله".

ثم قال: "مَنْ أنت؟ " قلت: "من غِفار"، قال: "فأهوى بيده، فوضَعَ أصابعه على جبهته، فقلت في نفسي: كرِهَ أن انتميتُ إلى غِفار، فذهبتُ آخُذُ بيده، فَقَدَعَني -أي كَفّني- صاحبُه وكان أعلمَ به مني، -يعني فعَلَ هذا لدفع السوء عني وعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم--.

ثم رفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأسَه ثم قال: "متى كنتَ ها هنا؟ " قال: قلتُ: "قد كنتُ ها هنا منذ ثلاثين بين ليلة ويوم"، قال: "فمن كان يُطعمك؟ "، قال: قلت: "ما كان لي طعام إلا ماءُ زمزم، فَسَمِنْتُ حتى تكسّرَتْ عُكَنُ بطني، وما أجدُ على كبِدي سُخفَةَ جوع"، قال: "إنها مباركة إنها طَعامُ طُعْم" -أي هي تُشبع شاربَها كما يُشبعه الطعام-.

فقال أبو بكر: "يا رسول الله ائذن لي في طعامه الليلة"، فانطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وانطلقتُ معهما، ففتح أبو بكر بابًا فجعل يَقبض لنا من زَبيب الطائف، وكان ذلك أوَّلَ طعام أكلتُه بمكة، الحديث (¬3).
_________________________________________

(¬1) الشنة: القربة الخَلَق الصغيرة يكون الماء فيها أبردَ من غيرها.

(¬2) متفّق عليه، واللفظ المسلم.

(¬3) رواه مسلم.



علو الهمة 222 إلى 226
المؤلف: الشيخ محمد بن أحمد بن إسماعيل المقدم
الناشر: دار القمة - دار الإيمان، مصر
عام النشر: 2004 م

عُلُوّ هِمَّة الأَخِ "رحمة بورنومو" في بَحْثِهِ عَنِ الدّينِ الحَقِّ (¬1)




إنه رجل ينتسب إلى أب هولندي وأم إندونيسية من مدينة "أمبون" الواقعة في جزيرة صغيرة في أقصى الشرق من جزر إندونيسيا، والنصرانية هي الدين الموروث لأسرته أبًّا عن جد.

كان جده قسيسًا ينتمي إلى مذهب الروتستانت، وكان أبوه أيضًا قسيسًا على مذهب بانتي كوستا، وكانت والدته معلمة الإنجيل للنساء، أما هو نفسه فقد كان قسًّا، ورئيسا للتبشير في كنيسة "بيتل إنجيل سبينوا"، وقد قال وهو يحكي سبب إسلامه:

(لم يخطر ببالي ولو للحظة واحدة أن أكون من المسلمين، إذ إنني منذ نعومة أظفاري تلقيت التعليم من والدي الذي كان يقول لي دائمًا: "إن محمدًا رجل بدوي صحراوي ليس له علم ولا دراية، ولا يقرأ وأنه أمي"، هكذا علمني أبي، بل أكثر من ذلك فقد قرأت للبروفسور الدكتور ريكولدي النصراني الفرنسي قوله في كتاب له: (بأن محمدًا رجل دجال يسكن في الدرك التاسع من النار)، هكذا كانت تساق المفتريات الكثيرة لتشويه شخصية الرسول - صلى الله عليه وسلم-، ومنذ ذلك الحين تكونَتْ لديَّ فكرة مغلوطة راسخة تدفعني إلى رفض الإسلام، وعدم اتخاذه دينًا لي.

ثم يقول: الواقع أنه لم يكن من أهدافي بحال من الأحوال أن أبحث عن دين الإسلام، ولكني كان يحدوني دائمًا دافع لأن أهتدي إلى الحق، ولكن لماذا كنت أبحث عن الحق المجهول؟. ولماذا تركت ديني رغم أنني كنت أتمتع فيه بمكانة مرموقة بين قومي؛ حيث كنت رئيس التبشير المسيحي في الكنيسة، وكنت أحيا بناء على ذلك حياةً كلها رفاهية ويسر، إذن لماذا اخترت الإسلام؟

لقد بدأت القصة على النحو التالي:

في يوم من الأيام أرسلتني قيادة الكنيسة للقيام بأعمال تبشيرية لمدة ثلالة أيام ولياليها في منطقة "دايري" التي تبعد عن عاصمة "ميدان" الواقعة في شمال جزيرة سومطرة بضع مئات من الكيلومترات، ولما انتهيت من أعمال التبشير والدعوة أويتَ إلى دار مسئول الكنيسة في تلك المنطقة، وكنت فِي انتظار وصول سيارة تقلني إلى موقع عملي، وإذا برجل يطلع علينا فجأة، لقد كان معلمًا للقرآن، وهو ما يسمى في إندونيسيا مطوع في الكُتَّاب، وهو المدرسة البسيطة التي تعلم القرآن، لقد كان الرجل ملفتًا للأنظار، كان نحيف الجسم، دقيق العود يرتدي كوفية بيضاء بالية خلقة، ولباسًا قد تبدل لونه من كثرة الاستعمال، حتى أن نعله كان مربوطًا بأسلاك لشدة قدمه، اقترب الرجل مني، وبعد أن بادلني التحية بادرني بالسؤال التالي، وكان سؤالًا غريبًا من نوعه، قال: "لقد ذكرت في حديثك أن عيسى المسيح إله، فأين دليلك على ألوهيته؟ "، فقلت له: "سواء أكان هناك دليل أم لا فالأمر لا يهمك: إن شئت فلتؤمن، وإن شئت فلتكفر"، وهنا أدار الرجل ظهره لي، وانصرف، ولكن الأمر لم ينته عند هذا الحد، فقد أخذتُ أفكر في قرارة نفسي، وأقول: هيهات هيهات أن يدخل هذا الرجل الجنة، لأنها مخصصة فقط لمن يؤمن بألوهية المسيح فحسب، هكذا كنت أعتقد جازمًا آنذاك.

ولكن عندما عدت إلى بيتي وجدت أن صوت الرجل يجلجل في روعي، ويدق بقوة فِي أسماعي، مما دفعني إلى الرجوع إلى كتب الإنجيل بحثًا عن الجواب الصحيح على سؤاله، ومعلوم أن هناك أربعة أناجيل مختلفة أحدها بقلم متى، والآخَر مارك، والثالث لوقا، والرابع إنجيل يوحنا، هذه التسميات أُخِذَتْ لمؤلف كل منها، أي أن الأناجيل الأربعة المشهورة هي من صنع البشر، وهذا غريب جدًّا، ثم سألت نفسي: "هل هناك قرآن بنسخ مختلفة من صنع البشر؟ " وجاءني الجواب الذي لا مفر منه، وهو: "بالطبع لا يوجد"، فهذه الكتب وبعض الرسائل الأخرى هي فقط مصدر تعاليم الديانة المسيحية المعتمدة!

وأخذت أدرس الأناجيل الأربعة فماذا وجدت؟ هذا إنجيل مَتَّى ماذا يقول عن المسيح عيسى عليه السلام؟ إننا نقرأ فيه ما يلي: "إن عيسى المسيح ينتسب إلى إبراهيم وإلى داود ... إلخ (1 - 1) إذن من هو عيسى؟ أليس من بني البشر؟ نعم إذن فهو إنسان، وهذا إنجيل لوقا يقول: "ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد، ولا يكون لملكه نهاية" (1 - 33)، وهذا إنجيل مارك يقول: "هذه سلسلة من نسب عيسى المسيح ابن الله"، (: 1) وأخيرًا ماذا يقول إنجيل يوحنا عن عيسى المسيح عليه السلام؟ إنه يقول "في البدء كان الكلمة، وكان الكلمة عند الله، وكان الكلمة الله" (1: 1)، ومعنى هذا النص هو في البدء كان المسيح، والمسيح عند الله، والمسيح هو الله.

قلت لنفسي: إذن هناك خلاف بارز بين هذه الكتب الأربعة حول ذات المسيح عيسى عليه السلام أهو إنسان أم ابن الله أم ملك أم هو الله؟ لقد أشكل عليَّ ذلك، ولم أعثر له على جواب، وهنا أحب أن أسأل إخواني النصارى: "هل يوجد في القرآن الكريم تناقض بين آية وأخرى؟ " بالطبع لا - لماذا؟ لأن القرآن من عند الله سبحانه وتعالى، أما هذه الأناجيل فهي من تأليف البشر، إنكم تعرفون ولا شك أن عيسى عليه السلام كان طيلة حياته يقوم بأعمال الدعوة إلى الله هنا وهناك، ولنا أن نتساءل: - ترى ما هو المبدأ الأساسي الذي كان يدعو إليه عيسى عليه السلام؟

هذا إنجيل مارك، يقول: فجاء واحد من الكتبة، وسمعهم يتحاورون، فلما رأى أنه (أي المسيح) أجابهم حسنًا، سأله: أية وصية هي الأولى؟ فأجابه يسوع قائلًا: "إن أولى الوصايا هي: اسمع يا إسرائيل! الرب إلهنا رب واحد" (12: 28 - 29)، هذا اعتراف صريح من عيسى عليه السلام، إذن لو كان عيسى قد اعترف أن الله هو الإلهُ الواحد الأحد فمن هو عيسى إذن؟ لو كان عيسى هو الله أيضًا، فلن تكون هناك وحدانية لله، أليس كذلك؟

ثم واصلت البحث، فوجدت في إنجيل يوحنا نصوصًا تشير إلى دعاء المسيح عليه السلام، وتضرعه إلى الله سبحانه. فقلت لنفسي: لو كان عيسى هو الله القادر على كل شيء فهل يحتاج إلى هذا التضرع والدعاء؟ طبعًا لا، إذن عيسى ليس إلهًا بل هو مخلوق مثلنا، استمع معي إلى الدعاء الذي ورد في إنجيل يوحنا، هذا هو نص الدعاء: "هذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته، أنا مجدتك على الأرض، العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته" (17 - 3 - 4) وهو دعاء طويل يقول في نهايته: "أيها الرب البار، إن العالم لم يعرفك، أما أنا فعرفتك وهؤلاء عرفوا أنك أنت أرسلتني وعرفتهم اسمك، وسأعرفهم ليكون فيهم الحب الذي أحببتني به" (17 - 25 - 26).

هذا الدعاء يمثل اعترافًا من عيسى عليه السلام بأن الله هو الواحد الأحد، وأن عيسى هو رسول الله المبعوث إلى قوم معينين، وليس إلى جميع الناس، فأي قوم هم هؤلاء يا ترى؟ نقرأ جواب ذلك في إنجيل متى (15: 24) حيث يقول: "لم أُرسَل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة"، إذن لو ضممنا هذه الاعترافات إلى بعضها لأمكننا أن نقول: "إن الله هو الواحد الأحد، وإن عيسى عليه السلام هو رسول الله إلى بني إسرائيل". ثم واصلتُ البحث، فتذكرت أنني حين أكون في صلاتي أقرأ دائمًا العبارات التالية: (الله الأب، الله الابن، الله الروح القدس، ثلاثة في أقنوم واحد)، قلت لنفسي: أمر غريب حقًّا، فلو سألنا طالبًا في الصف الأول الابتدائي "1 + 1 + 1= 3؟ "، لقال: "نعم"، ثم إذا قلنا له: "ولكن أيضًا 3 = 1"، لما وافق على ذلك، إذ إن هناك تناقضًا صريحًا فيما نقول، لأن عيسى عليه السلام يقول في الإنجيل كما رأينا بأن الله واحد، لا شريك له.

لقد حدث تناقض صريح بين العقيدة التي كانت راسخة في نفسي منذ أن كنت طفلاً صغيرًا، وهي: ثلاثة في واحد، وبين ما يعترف به المسيح عيسى نفسه في كتب الإنجيل الموجودة الآن بين أيدينا وهي أن الله واحد أحد لا شريك له، فأيهما هو الحق؟ لم يكن بوسعي أن أقرر آنذاك، والحق يقال، بأن الله واحد أحد، فأخذت أبحث في الإنجيل من جديد لعلي أقع على ما أريد، لقد وجدت في سفر أشعياء النص التالي: "اذكروا الأوليات منذ القديم، لأني أنا الله وليس آخر الإله، وليس مثلي" (46: 9)، ولشد ما كانت دهشتي عظيمة حين اعتنقت الإسلام فوجدت في سورة الإخلاص قول الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم: {قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوًا أحد} نعم، ما دام الكلامُ كلامَ الله فهو لا يختلف حيثما وجد، هذا هو التعليم الأول أو البديهية الأولى في ديانتي المسيحية السابقة، إذن "ثلاثة في واحد" لم يعد لها وجود في نفسي.

ثم ينتقل الأخ رحمة بورنومو الإندونيسي إلى نقطة جوهرية أخرى جعلته يختار الإسلام دينًا فهو يقول: أما البديهية الثانية في الديانة المسيحية فتقول بأن هناك ما يسمى بالذنب الوراثي أو الخطيئة الأولى، ويُقصد بهذا أن الذنب الذي اقترفه آدم عليه السلام عندما أكل الثمرة المحرمة عليه من الشجرة في الجنة، هذا الذنب سوف يرثه جميع بني البشر حتى الجنين في رحم أمه يتحمل هذا الإثم ويولد آثمًا، فهل هذا صحيح أم لا؟ لقد أخذت أبحث عن حقيقة ذلك، فلجأت إلى العهد القديم فوجدت في سفر حزقيال ما يلي: "الابن لا يحمل من إثم الأب، والأب لا يحمل من إثم الابن، بر البار عليه يكون، وشر الشرير عليه يكون، فإذا رجع الشرير عن جميع خطاياه التي فعلها، وحفظ كل فرائضي، وفعل حقًّا وعدلاً، فحياة يحيا لا يموت، كل معاصيه التي فعلها لا تذكر عليه" (حزقيال 18: 20 - 21).

لعل من المناسب هنا أن نذكر ما يقولهُ القرآن الكريم في هذا المقام: {ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى} ويقول الرسول عليه الصلاة والسلام: "يُولد ابن آدم على الفطرة، وأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه"، هذه هي القاعدة في الإسلام، ويوافقها ما جاء في الإنجيل، فكيف يقال: "إن خطيئة آدم تنتقل من جيل إلى جيل، وأن الإنسان يولد آثمًا؟ ".

يقول الآخ "رحمة بورنومو" الإندونيسي: إذن هذه التعاليم المسيحية قد اتضح بطلانها وافتراؤها بنص صريح من الكتاب الموصوف بـ "المقدس" نفسه، وهناك البديهية الثالثة في التعاليم النصرانية التي تقول: إن ذنوب بني البشر لا تغفر حتى يُصلب عيسى عليه السلام، لقد أخذت أفكر في هذه البديهية، وأتساءل: "هل هذا صحيح؟ " وكان الجواب الذي لا مفر منه: بالطبع لا، لأن النص الآنف الذكر من العهد القديم ينفي مثل هذا الاعتقاد بقوله: "فإذا رجع الشرير عن جميع خطاياه التي فعلها، وحفظ كل فرائضي، وفعل حقًّا وعدلًا، فحياة يحيا لا يموت، كل معاصيه التي فعلها لا تذكر عليه"، أي أن الله يغفر ذنوبه دون حاجة إلى أية وساطة من أحد.

ويمضي الأخ الإندونيسي الذي كان قسًّا في يوم من الأيام يحدثنا عما فعل بعد ذلك ضمن رحلته الطويلة من الكفر إلى الإسلام، فيقول: لقد واصلت البحث في عدد من القضايا الاعتقادية الأخرى، لقد وضعت يومًا من الأيام كُلًّا من الإنجيل والقرآن أمامي على المنضدة، ووجهتُ السؤال التالي إلى الِإنجيل قلت له: "ماذا تعرف عن محمد؟ " فقال: "لا شىء، لأن اسم محمد غير مذكور في الإنجيل، ثم وجهت السؤال التالي إلى عيسى كما تحدث عنه القرآن فقلت: "يا عيسى ابن مريم ماذا تعرف عن محمد؟ " فقال: "لقد ذكر القرآن بما لا يدع مجالًا للشك أن رسولًا لا بد أن يأتي بعدي اسمه أحمد"، يقول تعالى على لسان عيسى عليه السلام: {وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقًا لما بين يدي من التوراة ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين} [الصف: 16] فأي ذلك حق يا ترى؟

ثم يقول: هناك إنجيل واحد هو إنجيل برنابا وهو غير الأناجيل الأربعة التي ذكرناها من قبل، وهذا الإنجيل للأسف حَرَّم رجالُ الدين النصارى على أتباعهم الاطلاعَ عليه، أتدرون لماذا؟ الأرجح أنه لأن هذا الِإنجيل هو الوحيد الذي يتضمن البشرى بسيدنا محمد، وتقل فيه الِإضافات والتحريفات إلى حد أدنى، كما أن فيه حقائق تطابق ما جاء في القرآن الكريم، جاء في إنجيل برنابا (إصحاح 163): وقتئذٍ يسأل التلاميذ المسيح: يا معلم من يأتي بعدك؟ فقال المسيح بكل سرور وفرح: محمد رسول الله سوف يأتي من بعدي كالسحاب الأبيض يُظل المؤمنين جميعًا.

ويمضي الأخ رحمة بورنومو فيقول: ثم قرأت آية أخرى في إنجيل برنابا وهي قوله في (الإصحاح 72): وقتئذ إندرياس (التلميذ) يسأل المسيح: "يا معلم! حين يأتي محمد، ما هي علاماته حتى نعرفه؟ " فقال المسيح: "محمد لا يأتي في عصرنا هذا، وإنما يأتي بعد مئات السنين حين يُحرف الإنجيل، والمؤمنون حينئذ لا يبلغ عددهم ثلاثين نفرًا، فحينئذ يرسل الله سبحانه وتعالى خاتم الأنبياء والمرسلين محمدًا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"، لقد تردد ذكر ذلك في إنجيل برنابا عدة مرات أحصيتها فوجدت أن فيه خمسة وأربعين آية تذكر محمدًا - صلى الله عليه وسلم-، وقد اكتفيت بالآيتين السابقتين على سبيل الاستشهاد.

بعد ذلك يتحدث الأخ المهتدي الجديد من إندونيسيا عن جانب آخر من دراسته المقارنة فيقول: ومن التعاليم البديهية في الديانة المسيحية أن عيسى عليه السلام هو المنقذ المخلِّصُ للعالم، أي أنك إذا آمنت بألوهية عيسى فسوف تنجو، وهذا يعني أنك يمكنك أن تفعل ما تشاء غيرَ آبه بالذنوب والمعاصي ما دمت تؤمن بعيسى كمنقذ لك، شريطة أن تكون على يقين بأنك من التابعين، قلت لنفسي: لا بد أن أبحث في الإنجيل وأعرف الحق من الباطل في ذلك، في سفر أعمال الرسل رسالة بولس الأولى إلى أهل كورينتوس يقول: الله قد أقام الرب وسُيقيمنا نحن أيضًا بقوته (6: 14)، والقصة كما وردت في التعاليم المسيحية هي كالآتي: أنه لما قبضوا على السيد المسيح عرضوه أمام العدالة فحُكم عليه بالصلب، ثم دُفن فهنا تأتي الآية مناسبة لتلك القصة.

وهنا يعلق الأخ رحمة بورنومو فيقول: لقد تأملت هذه الآية طويلًا ثم قلت: إذا لم يتدخل الله في إقامة المسيح من القبر لبقي مدفونًا تحت التراب إلى يوم القيامة، إذن مادام المسيح لم يستطع إنقاذ نفسه فكيف يكون بوسعه إنقاذ الآخرين؟ هل يليق بإله -كما يزعمون- أن يكون عاجزًا عن ذلك؟ لا أشك لحظة أن كل ذي عقل سيوافقني فيما ذهبت إليه. أليس كذلك؟

ثم يقول: عند ذلك عزمت على الخروج من الكنيسة وعدم الذهاب إليها، كان ذلك في عام 1969 حيث خرجت فعلًا ولم أعد أتردد على الكنيسة، وليس معنى ذلك أنني خرجت ذلك الحين من الديانة النصرانية نفسها، لأنه كما هو معلوم هناك كنائس ومذاهب شتى في الديانة النصرانية، فهناك الكاثوليك، والبروتستانت، والميثوديست، والبلاي كسلامتن، واليونيتاريان، وغيرها كثير، حتىّ أنني أستطيع أن أقول بأن هناك أكثر من 360 مذهبًا في الديانة النصرانية، وصدق الله العظيم {وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}.

قد يقول قائل: وفي الإسلام أيضًا توجد مذاهب وطوائف عدة، فهناك المذاهب الأربعة المعروفة، وهى الحنفي والشافعي والحنبلي والمالكي وغيرها ......

والجواب هو أن أتباع المذاهب .. لا يختلفون في أصول الدين بل يتفقون جميعًا أن الله واحد، لا شريك له، وأن محمدًا رسول الله، كما يتفقون في أركان الإسلام الخمسة، وجوانب الخلاف بينهم في الفروع فقط لا في الأصول، وخلافهم رحمة كما ورد في الأثر، أما في الديانة المسيحية فالأمر مختلف تمامًا إذ الخلاف في صلب العقيدة، وهذا هو الفارق بين الإسلام والمسيحية.

ومهما اختلفت المذاهب في الإسلام فإنك لا تجد مسجدًا يخص مذهبًا معينًا دون سائر المساجد، بل على العكس من ذلك، فإذا نادى المنادي للصلاة تجد كل مسلم يدخل أقرب مسجد ليصلي فيه. ولكن الأمر يختلف تمامًا في الديانة النصرانية: فكل كنيسة تتبع مذهبًا معينًا، ولا يدخلها إلا أتباع ذلك المذهب فحسب، فالكاثوليكي لا يصلي في كنيسة بروتستانتية، والبروتستانتي لا يصلي هو الآخر في كنيسة كاثوليكية، وهكذا.

ثم يمضي الأخ رحمة بورنومو في قصته الشائقة، فيقول: وذات يوم لقيت صديقًا لي فدعاني إلى الكاثوليكية، وأخذ يعدد مميزات لهذا المذهب لم أجد مثلها في مذهبي البروتستانتي، قال صديقي: "في هذا المذهب توجد حجرة الغفران، وهي عبارة عن غرفة في الكنيسة يجلس فيها قس ذو لحية كثيفة يرتدي لباسًا أسود، ويقعد على كرسي عال، ومن طلب العفو والغفران ذهب إليه، ورددَ بعض الألفاظ غير المفهومة، وما أن يكاد يفرغُ من قراءتها حتى يقال له بأنه بريء من ذنوبه، ويرجع كيوم ولدته أمه، وهكذا قال لي صديقي، وأضاف قائلاً: كل ما تقترف يداك من الذنوب خلال أيام الأسبوع كفيل بأن يُغفر لك عند ذهابك إلى الكنيسة يوم الأحد، وحصولك على الغفران. فأنت لا تحتاج إلى الصلاة، ولا إلى العبادة، ولكن إذا تركت ذلك كله وذهبت إلى القس، واعترفت أمامه، غُفِرت ذنوبك".

يقول الأخ رحمة بورنومو: لقد تذكرت ما يقرره الإسلام في ذلك؛ وهو أن البشر مهما علت رتبة أحدهم لا يمكن أن يُوكَلَ إليه غفران ذنوب العباد، كما أن التوبة والمغفرة لا تُسْقِط التكاليف والفرائض، بل لا بد للتائب من أن يؤدي الصلوات الخمس اليومية في أوقاتها، فإذا تركها فلا قيمة لتوبته وعليه إثم كبير لا يمكن أن يتحمله عنه غيره من الناس {ولا تزر وازرة وزر أخرى} صدق الله العظيم.

ثم يقول: لقد رأيت الداخلين إلى حجرة الغفران في الكنيسة عليهم أمارات الحزن والكآبة لثقل الذنوب، بينما رأيت من يخرج منها وقد علت وجهه ابتسامة الفرح لاعتقاده بأن ذنوبه قد غفرت له، أما أنا فحين جربت تلك الغرفة دخلتها حزينًا وخَرجت منها حزينًا، لماذا يا ترى؟

لأنني كنت أفكر وأتساءل: "هذه ذنوبنا يتحملها القس، ولكن من يتحمل ذنوبه هو؟ " وهكذا لم أقتنع بالكاثوليكية فتركتها، وبحثت عن دين آخر.

ثم يحدثنا الأخ رحمة بورنومو عن المرحلة التالية من رحلته من الشك إلى اليقين فيقول: بعد ذلك تعرفت على طائفة نصرانية أخرى تسمى (شهود يهوه) وهي مذهب آخر من مذاهب النصرانية، لقيت رئيسهم، وسألته عن تعاليم مذهبه، وقلت له: "من تعبدون؟ "، قال:- "الله"، قلت: "ومن هو المسيح" فقال: "عيسى هو رسول الله"، فصادف ذلك موافقة لما كنت أومن به، وأميل إليه، ودخلت كنيستهم فلم أجد فيها صليبًا واحدًا، فسألته عن سر ذلك، فقال: "الصليب علامة الكفر، لذلك لا نعلقه في كنائسنا".

وهكذا رضي الأخ رحمة بورنومو أن يعرف المزيد عن شهود يهوه، وهو يصف هذه الفترة من حياته فيقول: لقد أمضيت ثلاثة أشهر كاملة أتلقى تعاليم ذلك المذهب، وفي نهايتها كان لي الحوار التالي مع رئيس الكنيسة، وكان هولنديًّا. قلت له: "يا سيدي، إذا توفيت على هذا المذهب؛ فإلى أين مصيري؟ " قال: "كالدخان الذي يزول في الهواء"، فقلت متعجبًا: "ولكني لست سيجارة، بل أنا إنسان ذو عقل وضمير".

ثم سألته: "وأين أتجه بعد الممات"، فقال: "تُوضَع في ميدان واسع"، قلت: "وأين ذلك الميدان؟ " قال: "لا أعلم"، قلت: "سيدي إذا كنتُ عبدًا مطيعًا ملتزمًا بهذا المذهب، فهل أدخل الجنة؟ " قال: "لا"، قلت: "فإلى أين إذن؟ " قال: "الذين يدخلون الجنة عددهم 144 ألف شخص فقط، أما أنت فسوف تسكن الأرض مرة أخرى"، وهنا قاطعته قائلًا: "ولكن يا سيدى قد وقعت الواقعة، فالدنيا خربت"، قال: "أنت لا تفهم حقيقة القيامة، لو كان لديك كرسي وفوقه حشرات مؤذية، هل تحرق الكرسي لتخلص من الحشرات؟ " قلت: "لا"، قال: "بل تقتل الحشرات ويبقى الكرسي سليمًا، وهكذا فتبقى الأرض سليمة بعد تطهيرها من الدنس والخطايا، وعندها ينتقل إليها الناس من ذلك الميدان، فليس هناك ما يسمى بالنار".

وهنا أعملت فكري جيدًا، ودرست الأمر وقلبته، حتى اتخذت القرار الأخير بترك النصرانية بجميع مذاهبها رسميًّا، كان ذلك في عام 1970، وفي أحد الأيام بينما كنت أسير في طريقي بحثًا عن الحق، رأيت معبدًا بوذيًّا جميلًا ضخمًا فاقتربت منه فوجدت فيه عدة تماثيل وصور في السقف تمثل التنين، وعلى الجدران مثل ذلك، كما شاهدت أمام البوابة تمثالين على شكل أسد صامت، وما أن دخلت من البوابة حتى جاءني رجل فأوقفني، وسأل: "إلى أين؟ " قلت: "أريد أن أدخل"، قال: "اخلع نعليك قبل أن تدخل، هذا معبد لنا فاحترم مكان عبادتنا"، قلت في نفسي: "حتى البوذية تعرف النظافة، أما ديانتي السابقه فلا نظافة فيها، أذكر أنني عندما كنت أدخل الكنيسة لم أكن أخلع نعلَّي عند الدخول" (¬2).

ثم يقول: "لقد جربت الديانة البوذية فترة من الزمن، ولكن سرعان ما تركتها لإحساسي بأنني لم أجد الحق الذي أنشده، ثم اتصلت بالديانة الهندوسية التي بدأت ونشأت في الهند، والتي انتشرت تعاليمها حتى وصلت إلى بعض الجزر الإندونيسية، فأخذت أتنقل بين تلك الجزر التي يوجد فيها نشاط لأتباع هذا الدين، ومكثت معهم فترة من الزمن تعلمت فيها الكثير، وقد نجحت فِي المرحلهّ الأولى إلى درجة أنني أخذت أجربَ الخوارق كالعبور في النار؛ والمشي على المسامير الحادة، وإدخال المسامير إلى أعضاء الجسم إلى غير ذلك، ولكن أيضًا ليس هذا هو ما كنت أبحث عنه".

ثم يضيف الأخ رحمة بورنومو: وذات يوم سألت رئيس المعبد الهندوسي: "ماذا تعبدون؟ "، قال: نعبد "برهما، ويشنو، وشيوا"، برهما: إله الخلق، ويشنو: إله الخير، وشيوا: إله الشر، ثلاثة آلهة تجلت في جسد إنسان واحد اسمه كريشنا الذي يعتبر المنقذ للعالم عند الهندوس، قلت لنفسي: "إذن فلا فرق في أمر الألوهية بين الهندوسية والنصرانية، ولو اختلفت الأسماء فهما يناديان ثلاثة في واحد".

قلت للكاهن الهندوسي: "اشرح لي نشأة كريشنا"، فقال: كان في الهند سنة ألفين قبل الميلاد ملك جبار ظالم لا يرحم حتى أبناءه، فيقتل مولوده الذكر خوفًا من أن يحتل عرشه غصبًا، وفي إحدى الليالي الظلماء كان الملك جالسًا أمام قصره، وإذا بكوكب مضيء يطلع في السماء فوق رأسه، وكان يسير بسرعة مذهلة، ثم توقف في الفضاء وأرسل نوره الباهر على حظيرة الأبقار، فلما سأل الملك رجال العلم والدين، راجعوا كتبهم المقدسة، فقالوا: إن ذلك دليل على تجلي الآلهة في جسم إنسان اسمه سري كريشنا، فقلت في نفسي: هذه القصة بحذافيرها مع تغيير الأشخاص موجودة في الديانة المسيحية، وكنت أحدث بها الناس وأنا قس، والفرق أن القرية المشار إليها هى بيت لحم، والِإنسان عندنا هو المسيح، فلا فرق إذن بيِن القصتين ولا بين العقيدتين في قضية أساسية هي قضية الألوهية، وقضية هوية المنقذ للعالم.

لقد واصلت حواري مع الكاهن الهندوسي فقلت له: "يا سيدي إذا توفيت وأنا على دينكم، فإلى أين مصيري؟ " قال: "لا أعلم، ولكن عليك أن تمتنع عن قتل الحشرات من أمثال النمل والبعوض وغيرهما"، وقال: "قد تكون هذه الحشرات آباءك وأجدادك الموتى".

ثم يقول: "وفي النهاية قررت أن أترك كل تلك الديانات، ولم يكن أمامي إلا الإسلام الذي لم أكن أريد اعتناقه لما غُرس في نفسي منذ طفولتي من نفور وكراهية لهذا الدين الذي لم كن أعرف عنه إلا الشبهات، كنت أريد البحث عن الحق المجهول وهذا البحث يلزم الجهد والصبر، وذات يوم قلت لزوجتي: اعتبارًا من هذه الليلة لا أريد أن يزعجني أحد، أريد أن أصلي وأتضرع إلى الله، وهكذا أقفلت باب حجرتي ورفعت يدي إلى الله خاشعًا متضرعًا قائلًا: "يا رب: إذا كنت موجودًا حقًّا فخذ بناصيتي إلى الهدى والنور، واهدني إلى دينك الحق الذي ارتضيته للناس".

ويمضي الأخ رحمة بورنومو في حديثه فيقول: والدعاء إلى الله ليس كأي طلب من الطلبات كما أن دعائي إلى الله سبحانه وتعالى لم يكن خلال فترة وجيزة فحسب، بل استمر ذلك زمنًا طويلًا، حوالي ثمانية أشهر، وفي ليلة الحادي والثلاثين من شهر أكتوبر عام 1971م الموافقة للعاشر من رمضان من نفس العام، وبعد أن فرغت من دعائي المعتاد رحت في نوم عميق، وعندها جاءني نور الهدى من الله عز وجل، إذ رأيت العالم حولي في ظلام دامس، ولم يكن بوسعي أن أرى شيئًا، وإذا بجسم شخص يظهر أمامي، فأمعنت النظر فيه فإذا بنور حبيب يشع منه يبدد الظلمة من حولي، لقد تقدم الرجل المبارك نحوي، فرأيته يلبس ثوبًا أبيض وعمامة بيضاء، له لحية جعدة الشعر، ووجه باسم لم أر قط مثله من قبل جمالًا وإشراقًا، لقد خاطبني الرجل بصوت حبيب قائلًا: "ردد الشهادتين"، وما كنت حينئذ أعلم شيئًا اسمه الشهادتان، فقلت مستفسرًا: "وما الشهادتان؟ "، فقال: "قل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله" فكررتهما وراءه ثلاث مرات، ثم ذهب الرجل عني.

يقول الأخ الإندونيسي بعد ذلك: ولما استيقظت من نومي وجدت جسمي مبللاً بالعرق، وسألت أول مسلم قابلته: "ما هي الشهادتان، وما قيمتهما في الإسلام؟ "، فقال: "الشهادتان هما الركن الأول في الإسلام، ما أن ينطقهما الرجل حتى يصبح مسلمًا"، فاستفسرت منه عن معناهما فشرح لي المعنى، وفكرت مليًّا، وتساءلت: "من يكون الرجل الذي رأيته في منامي، وكانت ملامحه واضحة المعالم لي؟ " فلما وصفتها لصديقي المسلم هتف على الفور قائلًا: "لقد رأيت الرسول محمدًا - صلى الله عليه وسلم -".

ثم يختم الأخ رحمة بورنومو قصته بقوله: وبعد عشرين يومًا من ذلك الحادث وكانت ليلة عيد الفطر سمعت صيحات التكبير يرددها المسلمون من المساجد القريبة من دارنا، فاقشعر بدني واهتز قلبي، ودمعت عيناي لا حزنًا على شيء، بل شكرًا لله على هذه النعمة فالحمد لله الذي هداني أخيرًا إلى ما كنت أبحث عنه منذ سنين، لقد تم ذلك في عام 1971م وقد خَيَّرتُ زوجتي بين الإسلام والمسيحية، فاختارت الِإسلام، والجدير بالذكر أنها كانت فِي طفولتها مسلمة ومن عائلة مسلمة تنصرت بسبب إغراءات المبشرين، وتبعًا لجهلها بأمور دينها الحنيف، كما تبعنا أبناؤنا فاعتنقوا الِإسلام، ومنذ الثاني من شهر فبراير عام 1972 ونحن مسلمون، والحمد الله.
___________________________________________________

(¬1) من "رجال ونساء أسلموا" للأستاذ عرفات كامل العشي (8/ 63 - 86) بتصرف.

(¬2) النظافة هنا ينبغي أن يقصد بها طهارة النعل من النجاسة، وإلا فلا حرج في الصلاة في النعلين الطاهرين، لورود السنة الصحيحة بذلك.


علو الهمة 238 إلى 254
المؤلف: الشيخ محمد بن أحمد بن إسماعيل المقدم
الناشر: دار القمة - دار الإيمان، مصر
عام النشر: 2004 م

القس المبشر دنلوب وتغريب التعليم في مصر

يعد "دنلوب" واضع المخطط الأساسي لتغريب التعليم والتربية وإقصاء الإسلام عن برامج التعليم في المدرسة المصرية، باعتبار أن التعليم وال...