بسم الله والحمد لله كالذي نقول وخيرا مما نقول , والصلاة والسلام وعلى المبعوث رحمه للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله الطيبين الطاهرين , وعلى صحبة الغر الميامين ,
وبعد :
كتب الوليد بن عبد الملك إلى الحجاج بن يوسف يأمره أن يكتب إليه بسيرته .
فكتب إليه:
إني أيقظت رأيي وأنمت هواي ، فأدنيت السيد المطاع في قومه ، ووليت الحرب الحازم في أمره ، وقلدت الخراج الموفر لأمانته .
وقسمت لكل خصم من نفسي قسماً ، أعطيه حظاً من لطيف عنايتي ونظري .
وصرفت السيف إلى النطف المسيء ، والثواب إلى المحسن البريء ، فخاف المريب صولة العقاب ، وتمسك المحسن بحظه من الثواب .
وقال أردشير لابنه : يا بني : إن الملك والعدل أخوان لا غنى بأحدهما عن الآخر، فالملك أس والعدل حارس .
والبناء ما لم يكن له أس فمهدوم ، والملك ما لم يكن له حارس فضائع .
يا بني ، اجعل حديثك مع أهل المراتب ، وعطيتك لأهل الجهاد ، وبشرك لأهل الدين ، وسرك لمن عناه ما عناك من ذوي العقول .
وقالت الحكماء : مما يجب على السلطان أن يلتزمه العدل في ظاهر أفعاله لإقامة أمر سلطانه ، وفي ضميره لإقامة أمر دينه .
فإذا فسدت السياسة ذهب السلطان ومدار السياسة كلها على العدل والإنصاف ، لا يقوم سلطان لأهل الكفر والإيمان إلا بهما ، ولا يدور إلا عليهما ، مع ترتيب الأمور مراتبها وإنزالها منازلها .
وينبغي لمن كان سلطاناً أن يقيم على نفسه حجة الرعية ، ومن كان رعية أن يقيم على نفسه حجة السلطان .
وليكن حكمه على غيره مثل حكمه على نفسه .
وإنما يعرف حقوق الأشياء من يعرف مبلغ حدودها ومواقع أقدارها .
ولا يكون أحد سلطان حتى يكون قبل ذلك رعية .
وقال عبد الملك بن مروان لبنيه : كلكم يترشح لهذا الأمر ، ولا يصلح له منكم إلا من كان له سيف مسلول ، ومال مبذول ، وعدل تطمئن إليه القلوب .
ووصف بعض الملوك سياسته فقال : لم أهزل في وعد ولا وعيد ، ولا أمر ولا نهي ، ولا عاقبت للغضب ، واستكفيت ، وأثبت على الغناء لا للهوى ، وأودعت القلوب هيبة لم يشبها مقت ، ووداً لم تشبه جرأة ، وعممت بالقوت ، ومنعت الفضول .
وذكر أعرابي أمير فقال : كان إذا ولي لم يطابق بين جفونه ، وأرسل العيون على عيونه ، فهو غائب عنهم شاهد معهم ، فالمحسن راج والمسيء خائف .
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لا يصلح لهذا الأمر إلا اللين من غير ضعف ، القوي من غير عنف .
وقال الوليد بن عبد الملك لأبيه : يا أبت ما السياسة ؟
قال : هيبة الخاصة مع صدق مودتها ، واقتياد قلوب العامة بالإنصاف لها ، واحتمال هفوات الصنائع .
وكتب أرسطوطاليس إلى الإسكندر : أن املك الرعية بالإحسان إليها تظفر بالمحبة منها ، فإن طلبك ذلك منها بإحسانك هو أدوم بقاء منه باعتسافك .
وأعلم أن تقول قدرت على أن تفعل ، فاجتهد ألا تقول تسلم من أن تفعل .
وقال أردشير لأصحابه : إني إنما أملك الأجساد لا النيات ، وأحكم بالعدل لا بالرضا ، وأفحص عن الأعمال لا عن السرائر .
وكان عمرو بن العاص يقول في معاوية : اتقوا أكرم قريش وابن كريمها ، من يضحك في الغضب ، ولا ينام إلا على الرضا ، ويتناول ما فوقه من تحته .
وقال معاوية : إني لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي ، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني ، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت أبداً .
فقيل له : وكيف ذلك ؟
قال : كنت إذا مدوها أرخيتها ، وإذا أرخوها مددتها .
وقال عمرو بن العاص رأيت معاوية في بعض أيامنا بصفين خرج في عدة لم أره خرج في مثلها ، فوقف في قلب عسكره ، فجعل يلحظ ميمنته فيرى فيها الخلل ، فيبدر إليه من يسده ؛ ثم يفعل ذلك بميسرته ، فتغنيه اللحظة على الإشارة .
فدخله زهو مما رأى ، فقال : يا ابن العاص ، كيف ترى هؤلاء وما هم عليه ؟
فقلت : والله يا أمير المؤمنين ، لقد رأيت من يسوس الناس بالدين والدنيا ، فما رأيت أحد تأتى له من طاعة رعيته ما تأتى لك من هؤلاء .
فقال : أفتدري متى يفسد هذا ؟ وفي كم ينتقض جميعه ؟ قلت : لا.
قال: في يوم واحد .
قال : فأكثرت التعجب .
قال : إي والله ، وفي بعض يوم ، قلت : وكيف ذلك يا أمير المؤمنين ؟ قال : إذا كذبوا في الوعد والوعيد ، وأعطوا على الهوى لا على الغناء ، فسد جميع ما ترى .
وكتب عبد الله بن عباس إلى الحسن بن علي إذ ولاه الناس أمرهم بعد علي رضي الله عنه : أن شمر للحرب ، وجاهد عدوك ، واشتر من الظنين دينه بما لا يثلم دينك ، وول أهل البيوتات تستصلح بهم عشائرهم .
وقالت الحكماء : أسوس الناس لرعيته ، من قاد أبدانها بقلوبها وقلوبها بخواطرها ، وخواطرها بأسبابها من الرغبة والرهبة .
وقال أبرويز لابنه شيرويه : لا توسعن على جندك سعة يستغنون بها عنك ، ولا تضيقن عليهم ضيقاً يضجون به منه ، ولكن أعطهم عطاء قصداً ، وامنعهم منعاً جميلاً ، وابسط لهم في الرجاء ، ولا تبسط لهم في العطاء .
ونحو هذا قول المنصور لبعض قواده : صدق الذي قال : أجع كلبك يتبعك ، وسمنه يأكلك . فقال له أبو العباس الطوسي : أما تخشى يا أمير المؤمنين إن أجعته أن يلوح له غيرك برغيف فيتبعه ويدعك .
كتب أبرويز إلى ابنه شيرويه من الحبس : اعلم أن كلمة منك تسفك دما ، وأخرى منك تحقن دماً ، وأن سخطك سيف مسلول على من سخطت عليه ، وأن رضاك بركة مستفيضة على من رضيت عنه ، وأن نفاذ أمرك مع ظهور كلامك .
فاحترس في غضبك من قولك أن يخطئ ، ومن لونك أن يتغير ، ومن جسدك أن يخف ؛ فإن الملوك تعاقب حزماً وتعفو حلماً .
واعلم أنك تجل من الغضب ، وأن ملكك يصغر عن رضاك ، فقدر لسخطك من العقاب ، كما تقدر لرضاك من الثواب .
وخطب سعيد بن سويد بحمص ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس إن للإسلام حائطاً منيعا وبابا وثيقاً ، فحائط الإسلام الحق وبابه العدل .
ولا يزال الإسلام منيعاً ما اشتد السلطان .
وليست شدة السلطان قتلاً بالسيف ولا ضرباً بالسوط ، ولكن قضاء بالحق وأخذاً بالعدل .
وقال عبد الله بن الحكم : إنه قد يضطغن على السلطان رجلان :
رجل أحسن في محسنين فأثيبوا وحرم ، ورجل أساء في مسيئين فعوقب وعفي عنهم .
فينبغي للسلطان أن يحترس منهما.
وفي كتاب التاج : أن أبرويز كتب لابنه شيرويه يوصيه بالرعية :
و ليكن من تختاره لولايتك امرأ كان في ضعة فرفعته ، أو ذا شرف كان مهملاً فاصطنعته .
ولا تجعله امرأً أصبته بعقوبة فاتضع لها ، ولا امرأً أطاعك بعد ما أذللته ، ولا أحداً ممن يقع في قلبك أن إزالة سلطانك أحب إليه من ثبوته .
وإياك أن تستعمله ضرعاً غمراً كثيراً إعجابه بنفسه ، قليلاً تجربته في غيره ؛ ولا كبيراً مدبراً قد أخذ الدهر من عقله ، كما أخذت السن من جسمه .
المصدر : العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق